اسماعيل بن محمد القونوي
36
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
يؤمنون دوام النفي فلا وجه للإشكال بأن المعنى حينئذ إن الذين كفروا كافرون فيكون المعنى إن الذين كفروا لا يؤمنون أبدا على أن المراد بالموصول إما المعهودون أو المصرون على الكفر منهم إن أريد به الجنس ( والجملة قبلها اعتراض ) وهي قوله تعالى : سَواءٌ عَلَيْهِمْ الآية أشار إلى رجحان كونه جملة وإن أخره هناك أو إلى صحة كونه اعتراضا فإن الاعتراض أن يؤتى في أثناء كلام أو بين كلامين متصلين معنى بجملة أو أكثر لا محل لها من الإعراب لنكتة سوى دفع الإبهام هذا عند الجمهور وبعضهم جوز كونه مفردا فينتظم الوجه الأول في سَواءٌ عَلَيْهِمْ [ البقرة : 6 ] أيضا قوله ( بما هو علة الحكم ) بيان نكتة الاعتراض المراد بالعلة علة غائية وختم اللّه تعالى علة لمية والحكم عدم إيمانهم على الاستمرار فحينئذ يثبت الحكم من أول الأمر معللا فيكون له في النفس استقرار تام فبهذا الاعتبار ينبغي أن يكون راجحا لكن أخره لأن جملة سواء أقوى من هذه الجملة في إفادة ما سيق له الكلام فبالحري أن تكون عمدة فيه لا معترضة مستغنى عنها كذا نقل عنه قدس سره وأنت خبير بأن الكلام محمول على دوام النفي كما ذكر آنفا فهذه الجملة أصرح في إفادة ما سيق له الكلام والقول بأن الأولى تفيد كون عدم إيمانهم بالكتاب ناشئا من قصور في أنفسهم وهو استواء الإنذار وعدمه عليهم وقساوة قلوبهم لا من قصور في الكتاب بخلاف الثانية فإنها تفيد عدم إيمانهم فقط فتكون الجملة الأولى أقوى ضعيف لأن حال العلة مع الحكم كذلك في كل موضع فيلزم أن تكون العلة أقوى من الحكم مطلقا ولم يتعرض المصنف لكونه خبرا بعد خبر لأنه مما اختلف فيه بلا عطف فالوجوه على ما ذكره أربعة وأحسنها التأكيد ثم الخبرية وقد ظهر وجهه فيما سبق ومن هذا اكتفى الزمخشري بها . قوله : ( والآية مما احتج بها من جوز تكليف ما لا يطاق ) المراد بتكليف ما لا يطاق مؤمنين به فالجملتان في إفادة المعنى المسوق له الكلام مستويتان غير أن الجملة الثانية أبين دلالة على ذلك المعنى من الأولى لأن دلالة الكلام الصالح للبيان والتأكيد للأول أقوى واظهر دلالة على المعنى المراد من الكلام الأول من الإجمال المنافي للظهور فجعل ما هو أقوى واظهر دلالة على المعنى المراد ركنا في الكلام أو ما هو أخفى وأضعف في الدلالة عليه اعتراضا على أن في الاعتراض فائدة التأكيد أيضا أولى وأوجه وإن أراد بما سيق له الكلام بيان أنه لا ينفعهم الدعوة كقوله تعالى : سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَ دَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ فالجملة الثانية أدل على هذا المعنى من الأولى فإن نفع الكتاب الإيمان به والإذعان بما فيه من الدعوة إلى الحق فنفي الإيمان عنهم هو نفي انتفاعهم بالدعوة وأما الجملة الأولى فهي كالعلة والوسيلة المؤدية إلى الثانية على ما قاله القاضي رحمه اللّه اعتراض بما هو علة الحكم فجعل ما هو أدل على المعنى المقصود ركنا من الكلام وما هو فضلة ووسيلة اعتراضا أولى من عكسه وهو الذي ذكر إنما هو على تقدير كون سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ جملة ملتئمة من مبتدأ وخبر لا صفة مع فاعلها وأما على كونها صفة مع الفاعل لا تكون لجملة لا يؤمنون محل من الإعراب بل يكون حينئذ استئنافا لبيان حالهم بعد الحكم عليهم بتسوية الأمرين عندهم فكأنه قيل فما حالهم إذ ذاك فقيل لا يؤمنون .